<!--{PS..2}-->


كل الناس مثقفون وهكذا فان باستطاعة المرء أن يقول..و لكن ليس لكل                                        انسان وظيفة المثقف في المجتمع




 


 




 


 

يتجلى المأزق في أحد جوانبه العديدة والمعقدة في أننا أمام خطابين أو طرحين متضاربين

كتبهاعادل بوجلدين ، في 29 سبتمبر 2007 الساعة: 13:36 م

الجغرافيا والديموغرافيا والطموحات النهضوية في ليبيا .. علاقة تآزر ام علاقة تنافر

عبدالله هارون

عوامل كثيرة معقدة ومتشابكة ينبغي الإلمام بها عند محاولة وضع أية خطط لإنهاض بلادنا وتطويرها ، من هذه العوامل العاملان الجغرافي والديموغرافي واللذان لايحظيان – كما يبدو - بالاهتمام الكافي ولا يشار إليهما إلا علي استحياء .

العامل الجغرافي

يتمثل في جوانب عدة منها ما تتمتع به ليبيا من موقع جغرافي متميز نشيد جميعاً بأهميته ولم نوظفها أو نستغلها الاستغلال الأمثل حتى الآن  ، كما يتمثل في تنوع المظاهر الجغرافية الطبيعية مثل التضاريس وفي تنوع الأقاليم المناخية والموارد الطبيعية وأيضاً في هذه المساحة الشاسعة .

وبينما كان تنوع الظواهر والمناحات والموارد ذا أثر إيجابي إجمالاً علي الأنشطة السياحية والصناعية والزراعية والرعوية ، فأن اتساع البلاد ذو أثر سلبي إذ أنه يستلزم تغطيته بشبكة من الخدمات المختلفة أهمها شبكة من خطوط الاتصالات بنوعيها وطرق المواصلات الجوبرمائية المكلفة جداً إنشاءً وصيانةً ورقابةً ، مما يزيد من ارتفاع رسوم هذه الخدمات بالنسبة للمواطن ويضطره للبحث عن حلول أخري ، فبالنسبة للمواصلات مثلاً يضطر المواطن لاقتناء سيارة تثقل كاهل الأسرة بثمنها وصيانتها ، وقد بلغت السيارة من الأهمية درجة صارت معها بمثابة مكافأة أو وسيلة للمفاضلة بين فئات المجتمع ، فبينما يحق للشاعر الشعبي مثلاً الحصول علي سيارة من الجهات المحتكرة لاستيرادها لا يتمتع نظيره الذي يصوغ أشعاره بالعربية بهذا الحق كما يتمتع بهذا الامتياز من ولد يوم 1/9/1969ف ولا يتمتع به من ولد في اليوم التالي ! . كما أن اتساع البلاد يؤدي إلى استطالة الحدود وما يستلزم  ذلك من حراسة ورقابة عالية الكلفة ولكنها ضرورية أمنياً واقتصاديا ، ويبدو الوجه السيئ لهذا الجانب سافراً إذا أضيف إليه هذا التخلف التقني والذي يجعل المكاتبات الرسمية والاتصالات وغيرها من التعاملات الضرورية بطيئة بصورة مخجلة في القرن الحادي والعشرين ، ويحد هذا البطء  أيضاً من انسياب المعلومات والثقافة والتواصل بين المواطنين .

العامل الديموغرافي 

ما يهمنا من هذا العامل جزئية واحدة تتلخص في أن  سكان ليبيا بعددهم الصغير نسبياً ينتشرون أو يتوزعون علي مساحتها القارية في تجمعات قزمية متباعدة إذا أستثنينا هذا العدد القليل من المدن ، ولهذا الانتشار عدة أسباب منها :

سبب اجتماعي :

نتيجة لطبيعة المجتمع الليبي القبلية ونظراً لأن لكل قبيلة نقطة انطلاق أو تمركز فقد تمسك السكان بهذه النقاط  وبدلاً من تهذيب هذا الواقع وتجاوزه تدريجياً بخطط تنموية حكيمة وجادة وخطاب إعلامي واعٍ تم تكريس هذا الواقع بل تعزيزه ووطنت مشاريع التنمية غالباً بما يتماهي مع هذه النقاط القبلية بصرف النظر عن الجدوى الاقتصادية .  

سبب بيئوي :

ساد التوجه في الماضي لدي الليبيين لاحتراف الرعي بسبب غلبة البيئة الصحراوية علي ليبيا وبسبب عامل مساعد أخر هو خضوع المدن الساحلية غالباً للسيطرة الأجنبية ، ومثلما أهتدي المجتمع الرعوي المولع بالتنقل والترحال إلى ابتكار منزل قابل للطي والنقل فقد اهتدي إلى نظام اجتماعي وإداري علي غرار الخيمة قابل للنقل أيضاً فكان النظام القبلي الذي يستمد مرجعيته من شيخ العشيرة ، وهكذا ساهم العامل الجغرافي البيئوي بالتظافر مع التاريخي بصورة غير مباشرة في تعزيز دور القبيلة الأمر الذي ساهم بدوره في هذا الانتشار ، وهذا الماضي الرعوي مازال يلقي بظلاله علي الحاضر ، يتجلى ذلك في الاستخفاف بالتأسيس والأستقرار وغلبة ثقافة المشافهة وانعدام التوثيق وهذا ما نجد له إشارات دالة في الأدب والتراث الشعبيين في مثل شعبي : " عز البوادي كل يوم رحيل " . أو في ما أمتدحه الشعراء العاميون كقول عبدالمطلب الجماعي :

" ارحم بوي خلاني هواوي           كيف النجم في كبد السما  " .

أو في ما اخترعه الخيال الشعبي بكثير من الزهو علي لسان ابوزيد الهلالي :

" لوكان بوزيد عمار عمر سواني بلاده         منحاش بوزيد دمار علي الله إن تبقي حماده " .

وكمظهر جانبي يتجلي أيضاً في هذه القطيعة مع البحر ممارسةً وثقافةً ، فالبحر لا يحتل في أدبنا وتراثنا مساحة تتناسب مع المساحة التي يحتلها علي خارطة الوطن .

 ولم ينج الأدب العربي في ليبيا من قصة ورواية من الامتثال لذلك أيضاً ، فمعظم روايات إبراهيم الكوني علي سبيل المثال تحتفي وإن من طرف خفي بهذا الماضي الرعوي . كما أنه من جهة أخري لم ينجح هذا الأدب والدراما الليبية في التعامل مع المدينة الليبية وجاء تناولها مغرباً أو سطحياً أو نمطياً في معظم الأعمال .

وهذه الظلال تشكل مبحثاً ضخماً ومعقداً لا تتسع له هذه التعريجة المقتضبة .

سبب أعلامي :

علي مدي أكثر من عقدين من الزمن ثابر الأعلام الليبي علي تمجيد القرية وتحقير المدينة ، حتى أننا نقرأ ونسمع في وسائلنا الإعلامية وصف الأخلاق الفاضلة بأخلاق القرية وكأنما سكان المدن  أوغاد بالضرورة ! . وهذا التشيع للقرية والعداء للمدينة تسرب أيضاً إلى المنجز الإبداعي من قصة وشعر ورواية وغيرها .

سبب تشريعي : 

تجلي هذا في استصدار قرارات رسمية تحث إجمالاً كل مهاجر إلى المدينة علي العودة إلى نقطة انطلاقه وهي القرية غالباً ، كاسرةً ما أنجز بصورة عفوية وعلي مدي أجيال من اندماج اجتماعي .

وتجلي أيضاً في هذه المغريات والتسهيلات التي وعد بها للتشجيع على ما يسمى بالهجرة العكسية ، كما ساهمت بعض التجارب المرتجلة في التقسيم الإداري في ذلك بتشجيعها كل تجمع مهما قل عدد سكانه على أن يكون مؤتمراً شعبياً مستقلاً.

محاولة جديدة قديمة

          بموازاة الخطاب الإعلامي الذي سبقت الإشارة إليه ثمة خطاب أخر بدأ منذ أكثر من عقد ونصف يشكل ضرباً من حوار الطرشان مع الخطاب الأول ، وهذا الخطاب الثاني ظل ينادِى بما ينادَي به الآن من دعوات تحديثية ونهضوية  وإن بلغة مواربة ، فالدعوة لتقليص العمالة في القطاع العام والتحول إلى الإنتاج أو جعل العاملين بمؤسسة ما شركاء فيها وإنشاء الشركات والتشاركيات التي لا تعتمد على القطاع العام وما شابهها  تمثل النسخة الأولية لما يطرح الآن وهي  دعوات قديمة انتقل بعضها من طور الشعار إلى طور التنفيذ بقليل من النجاح أو بعدمه وبعضها ظل شعاراً ليس إلا ، والانتباه إلى أن ما يطرح الآن قد سبق طرحه بصورة ما أمر بالغ الأهمية لسببين على الأقل :

الأول : لكي نتعلم من أخطائنا .

الثاني : لتقدير صعوبة معاودة التجربة ، فتطبيق  شعار قديم قد سبق تطبيقه ولم ينجح لسبب ما أو لمجرد كونه شعاراً قديماً وإن لم يطبق ، أصعب من تطبيق شعار جديد ، ذلك لأن المعنيين بتطبيق هذا الشعار القديم لن يتمتعوا بالقدر الكافي من الحماس بسبب الإحساس بعدم الجدوى أو بسبب التشكك في المصداقية كما أن بعض المغرضين ربما عملوا على إفشاله مستفيدين من التجارب السابقة.

المــــأزق

يتجلى المأزق في أحد جوانبه العديدة والمعقدة في أننا أمام خطابين أو طرحين متضاربين يحاولان إقامة ما يشبه الحوار المستحيل : الطرح الأول قروي كما سبق بيانه والطرح الثاني والذي يدعو إلى أن يتولى الناس إدارة شؤون حياتهم بمؤسسات أهلية ذات جدوى اقتصادية لمالكيها وذات جدوى خدمية للمجتمع هو طرح مديني ، لأننا لا يمكن أن نتصور وجود مؤسسة أهلية بهذين الشرطين في القرية ، خاصة إذا ما وضعنا في الحسبان انتشار هذه القرى والتجمعات القزمية في نقاط متباعدة .

هل عثرنا حقاً على الوصفة السحرية ؟

أما وقد رجحت كفة الخطاب الثاني فإن المؤشرات تقول بأن المجتمع الليبي مقدم على خوض تجربة نهضوية بدأنا نلمس تمجيداً متعاظماً لفوائدها ، ولكن هذا الاندفاع – وهو فيما يبدو – ملمح من ملامح الشخصية الليبية ، ينبغي ألا يجردنا من الحذر ، فثمة خطورة في التسليم بأننا قد عثرنا علي العلاج الشافي والوصفة السحرية والتي لامضاعفات لها ، ثمة علي ارض الواقع معطيات كثيرة جديرة بالاعتبار لعل أهمها العاملان الجغرافي والديموغرافي اللذان سبق تبيان بعض ملامحهما وثمة ثقافة مترتبة عليهما وعلي الخطاب الإعلامي الموازي وثمة أمور أخري كثيرة ، فالأمر ليس بالسهولة ولا بالبساطة كما قد يظن .

وبالعودة الى الماضي وكأحد المظاهر الديموغرافية العرضية للدعوتين اللتين نودي  بهما من قبل: الأولي للهجرة من المدينة الى القرية ، والثانية ( وهي دعوة ضمنية ) لأبناء البلدان العربية والأفريقية للهجرة الى ليبيا،  فأننا نلاحظ أن محصلة هذه التجارب المعملية علي المجتمع الليبي قد أفضت الى تناقص الليبيين في المدن وتزايد غير الليبيين بها  وربما كان توجه غير الليبيين للمدن لسببين :

الأول : لوعيهم بما تقدمه المدينة من فرص لحياة أفضل وربما للثراء السريع من النشاط التجاري خاصة .

الثاني : لكون القرية ذات طابع قبلي صريح لا يرحب بغير المنتميين للقبيلة .

      وهذه الهزة في التركيبة الاجتماعية للمدينة الليبية ينبغي أن توضع في الاعتبار أيضاً وقد عقدت النية كما يبدو - علي تبني هذا الخطاب المديني الذي سيفضي بداهةً الى هجرة الليبيين مرة أخري الى المدينة .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



للتـواصل

bogy89@hotmail.com

adebogy89@yahoo.com