لعبة يخسر فيها في نهاية المطاف الجميع … القوي والضعيف..
كتبهاعادل بوجلدين ، في 28 أغسطس 2007 الساعة: 10:24 ص
لم يبق الا القليل من السبـيط

فهيم الحصادى
هذا عنوان مقال لكاتب يدعى جون كاروول محرر بجريدة كرونيكل بسان فرنسيسكو…. كان عليه أن يعمل ليوم واحد دور الجرسون فى أحد المطاعم يقول فيه:-
} بعد أن انقضى نصف يوم عملي كجرسون توجهت إلى المطبخ أستطلع الوضع… أشتكى لي ستيفن رئيس الطهاة على الفور:-
لا أحد يطلب السبيط اليوم .. لقد تراكم لدينا و ليس بالإمكان تخزينه هل يمكنك القيام بشيء ما ,… السبيط رائع و مفيد ولكنه لا يباع … كان الزبائن مهتمون بسلطة السبانخ وقد حاولت مراراً أن أوجه إنتباه الزبائن للسبيط وفوائده دون جدوى .
كنت أعرف عن موضوع (( الندرة )) وتأثيرها فى النفس الإنسانية فقررت التجربة .. مع الجماعة التالية بادرتهم بالتالي:-
(( إن السبيط مطلوب بكثرة هذه الليلة فأذا كنتم تودون طلبه .. فمن فضلكم افعلوا الآن .. فأنني اخشي نفاده ))
لم أقل شيئا عن السبيط وفوائده ومميزاته— فقط ذكرت أنه على وشك النفاد — وكررت التجربة مع المجموعات التالية — وبعدها كانت أطباق السبيط تخرج من باب المطبخ كطابور من الجنود الصغار وبعدها.. صاح رئيس الطهاة (( ماذا نفعل – أن السبيط ينفد بسرعة—)) علقت رئيسة الطهاة— المتوسطة الجمال — على هذا الأمر وقالت—(( إن سوقي غير رائجة — هل لك أن تطبق علي نفس الحل فربما أجد زوجاً أو قريناً )) ولم يكن الأمر على طرافته بعيداً عن الصواب نعم فالتجارب أثبتت أيضاً إقبال الرجال على النساء العصييات لاعتقاده أنهن أكثر جاذبية {
نعم لم يبقى إلا القليل من السبيط .. السبيط رائع ومفيد ولكن هذا لا يكفي و لا يهم كثيراً … المهم شعورنا بندرته… وبأنه بالكاد نحصل عليه
وإنه على وشك النفاد … لكي يصبح غاية الجميع وقبلة أنظارهم…
لم يبقي إلا القليل من السبيط ….. لم يبقي إلا القليل من القروض…. لم يبقي إلا القليل من الأراضي …. لم يبقي إلا القليل من المناصب…. لم يبقي إلا القليل من الدقيق…. لم يبقي إلا القليل من الزيت … لم يبقي إلا القليل من الطماطم….. من ومن .. وبعدها تجد الجموع وقد تنادت … وتجمعت … وتشكلت … وتقاتلت.. وكأنه لا أمر سوي هذا الأمر … وكأن هذا العالم قد تقزم فجأة .. وأن الرؤى على سعتها قد ضاقت ولم يعد من أمر سوى هذا الذي يوشك على النفاد…
هناك عوالم تستغل هذه الفكرة (( فكرة الندرة )) ببرجماتية بارعة مستخدمة أساليب مبرمجة وذكية خاصة فى مجال الدعاية و الإعلان…
سيصبح من الآن التركيز ليس على الشيء فى ذاته .. و لا على فوائده ومميزاته وأهميته و غيرها—إن المحور الرئيسي سيصبح ببساطه (( الحق نفسك.. علك تطول أو لا تطول )) وبعدها أترك كل شيء للعقل الباطن .. ولهذا المخزون الذهني المتأصل فى جوانب نفسي منذ كان جدنا الأعلى يطارد فريسته النادرة بعصاه ليأكلها حيه ونيئة قبل أن يكتشف النار.. وبعدها أترك هذا الأمر ليعمل بذاته داخل النفس وهو يعمل بطريقة إنشاطريه .. نسبة إلى الإنشطار النووي المتسلسل الذي يبدأ بصورة متناهية فى الصغر إلى أنه يصبح قادر على التهام أكبر المدن فى طرفة عين)) ,, و لا يلجم تداعيات هذا الأمر إلا العقل …
العقل الواعي المدرب المدرك وما أندره !! كما أن هذه الخاصية .. خاصية التهافت على النادر
تعمل في عوالم أخرى بصورة غير ممنهجه و إن كان تأثيرها أقوي نظراً لطبيعة هذه المجتمعات و علاقاتها و أسرها وقبائلها وآفاقها العقلية .. فقد يحصل هذا السعار - السعار على القليل و النادر - على أمور عجيبة سعار السلفُ .. سعار الكراسات المدرسية .. سعار إطار السيارات .. سعار أكياس القمامة … وهكذا تطول قائمة مهيجات السعار إلا ما لا نهاية
وفى تجربة علمية قام سيكولوجي يدعي ستيفن وورشل بدراسة لإيضاح أهمية الإحساس بالندرة … فقام بتشكيل مجموعتين من المتطوعين للدراسات العلمية وهو أمر غير معروف لدينا بالطبع .. وأعطى كل فرد من المجموعتين كعكة صغيرة من برطمان زجاجي .. و المطلوب هو تقييم جودة وطعم الكعك و السعر المقدر لها.. الفرق أن المجموعة الأولى أعطيت كعك من برطمانات كبيرة تحتوى كل منها على أكثر من عشرين كعكة .. بينما أعطيت المجموعة الثانية – نفس الكعك – من برطمانات صغيرة تحتوى كل منها على ثلاث كعكات فقط
كانت النتيجة أن الكعك المأخوذ من البرطمانات صغيرة هو أكثر جودة و حلاوة وفائدة وبالتالي فسعره أعلي .. و الكعك هو الكعك.. عندما يصبح ما نحتاج إليه نادراً فأن مراكز المخزون بالذهن تعتبره على الفور مرغوب… فى الندوات و الأمسيات التى تجمع الجنسين الذكر و الأنثى تبدو هذه الخاصية واضحة …. عندما يكون عدد النساء قليلاً في هذا الجمع … بالنسبة لعدد الرجال فعندها تبدو النساء أكثر جمال وظرفا حتى تافه الكلام الذي يصدر عنهن يبدو أن له مدلول عميق.. إنهن جميلات جذابات وحتى العادية منهن ستبدو وكأن لها – روحاً داخليه جميله – وشعرها الأكرت المجعد سيصبح مثيراً للخيال كأغصان الأشجار البرية المتشابكة.. ولن تلحظ سمنا و لا نحافة و لا فرط طول و لا قصر وكل الأمور تبدو مرغوبة ..
إما إن توفرت النساء بالجملة و أصبحت على مرمى البصر هنا وهناك فعندها تنعدم الندرة وتصبح النساء مزعجات إنهن لا يحملن أي فكر … و يا له من شعر أكرت هذا الذي يبدو كأنه أغصان شجرة هرمه و يا له من خليط من الألوان هذا الماكياج … و الأمر صحيح من الجهة المقابلة ففي المعاهد و مدارس و كليات البنات يبدو المدرسون الذكور – ندرة الرجال – أكثر وسامه ونضجاً و رجولة و هكذا … لعل هذا يفسر أيضاً شهرة شاعرات النساء على الرجال ففي ندرة قول الشعر عند النساء ما يجعل الاعتقاد السائد أكيدا أن الشاعرات يقبضن على نواصي الكلم و يلهمن الروح و يمسسن شغاف القلوب… بينما لا يتعدى ما يقولنه نقيق الضفادع أحيانا.. في وقت يبقي شاعراً حقيقياً( ذكر) أمضى عمره يسكب روحه على الورق دون أن يجد صدى يذكر فقط لأنه – فى حالة الوفرة – مع كثرة الشعراء و المتشاعرين الذكور ..
إن هذا الأمر فى جوهره مرتبط بكاريكاتير أساسي فى عقل الإنسان مفاده أستجب للطارئ .. الغذاء نادر.. سينفد كل شيء بسرعة.
كـــان الإنسان القديم يقاتل بيديه و أنيابه و ينتزع الغذاء من يد أخيه لإحساسه الدائم بندرة الأشياء وعلى مدى هذه السنوات لم نستطيع التخلص من هذا الموروث و إن إختلفت الصورة فى بعض الأحيان… حقاً أنه فى بعض المجتمعات لم تختلف الصورة كثيراً عما كانت عليه أيام جدنا الأكبر لكنها فى مجتمعات أخرى أخذت أبعاداً مغايرة في الشكل فعندما يتوفر القمح مثلاً بغزارة تعمد الدول الكبرى المتحضرة لإحراقه و إن بصورة سرية !! حتى وإن مات ثلث سكان العالم جوعاً فإن من شأن وفرة القمح إنخفاض سعره للحد الأدنى ومن شأن ندرته إرتفاع سعره و بالتالي إنتفاخ جيوب الأقوياء المنتفخة أكثر فأكثر… فقط تحولت أنياب و مخالب و هراوة الإنسان القديم إلى شكل أخر من الورق الصقيل اللامع الملون يسمونه الإعتمادات و البطاقات الائتمانية و الأرصدة و الاحتياطي وغيرها لكن من شأنها تركيع الراكع و تجويع الجائع و تقزيم المقزم و الأقوياء الذين يعرفون .. يدركون قوة (( الندرة)) و سلاحها الفتاك.. ولذا فلن يسمحوا للدول المنتجة للنفط – وإن سمحوا لأنفسهم – بأن تستعمل هذه القوة فدون ذلك خرق القتاد.. و هذه المرة الموت الحقيقي المباشر ليس بالورق و المصارف وبيوت المال و صندوق النقد الدولي وغيرها إنما بصواريخ كروز و الصواريخ الثرمو نووية و القنابل الذكية المسلحة بالمعلومات مصادرها نظم أل جي.بي.أس و الجوجل أرث و الإستخبارات وكل ما لا يخطر على البال و بالتالي على النفط أن يغرق الأسواق إنها تعرف مكمن الداء .. الندرة .. وبالتالي لن تسمح لغيرها بإستخدامها.. أما عن الضعفاء و الفقراء - إلا من هذه الثروة المؤقتة الطارئة التى نسميها النفط و التي أوهمتهم بأنهم أغنياء و أقوياء- و بالتالي ما عادوا يدركون حتى قيمة ما يملكون لوفرته الآنية الظاهرة للعيان .. و لأنهم لا يعرفون هذه الندرة الآتية بسرعة البرق .. فبتالي لا يحسنون أستعمالها و لا تقديرها… ولو عرفوا لأوقفوا على الفور حتى عقود الاستكشافات النفطية التى يريدها و يديرها الأقوياء و يفرح بها ويصفق لها الضعفاء - أثرياء اليوم متسولي الغد - وهكذا يسيطر الأقوياء المتحضرون على كل شيء .. ويديرون كل شيء بمهارة و معرفة تاركين للضعفاء الأوهام و الأحلام و العيش فى الخيال المريح…. وهى لعبة يخسر فيها في نهاية المطاف الجميع … القوي والضعيف.. الفقير و الغني.. الذكي و الساذج… وهنا تكمن بعض وجوه المأساة .. مأساة هذة الحضارة الغير مسؤولة.. فمن لا يعرف ..لا يعرف.. و من يعرف يحيله الطمع و الجشع و الأنانية إلى أسوا ممن لا يعرف.. و يبقي الإنســــــــــــــــــان دائما..هو الخاسر الأكبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























